الدرس ١
لدينا بشرى سارّة. وعدنا الله بأن يحبّنا ويسامحنا ويعطينا الحياة الأبدية ويحرّرنا من الشرّ، وأن يكون صديقًا قريبًا لنا طالما أننا نثق به ونطيعه بمحبّة.
هل تصدّق هذا الخبر؟ وهل تدرك ماذا يعني بالنسبة لك؟
يقول الكتاب المقدّس إننا وُلدنا لنحبّ ونطيع وننعم بالله إلى الأبد، ولكن لا يمكننا أن نفعل ذلك.
لماذا؟
لأننا وُلدنا منفصلين عنه بطريقتين.
أولًا، نحن لا نعرفه، ولا يمكننا أن نحبّ من لا نعرفه.
ثانيًا، نحن نولد وبداخلنا رغباتٌ شريرة تفصلنا عن حياة الله ومعرفته ومحبّته.[٥] ورغباتنا الشريرة هذه هي سبب الموت والمرض والظلم والحرب وكلّ مآسي الحياة.
كيف تفصلنا رغباتنا الشريرة عن الله؟
أساس الشرّ هو الأنانية التي تضرّ بعلاقاتنا مع الآخرين. فعندما يقترب الرّجل من زوجته، يدرك بسهولةٍ أكبر كيف يمكن لأقواله أو أعماله أو أفكاره أن تضايقها. والأمر مشابهٌ في علاقتنا مع الله. فكلّما اقتربنا من الله، كلّما فهمنا كيف يمنعنا الشرّ من الاقتراب منه.
كيف استجاب الله لانفصالنا عنه؟
اختار الله أن يصير إنسانًا ليعيد الصداقة القريبة معنا. وكان هذا الإنسان يسوع المسيح.
لماذا من المهم أن يصير الله إنسانًا؟
أولًا، لكي يبني روابط شخصية معنا. وثانيًا، ليختبر الفرح والألم والمصاعب مثلنا. وثالثًا، ليتحمّل عقاب أعمالنا الشريرة من خلال الموت عنّا. ورابعًا، ليقوم من الموت ويخلّصنا من الشر ويجعلنا أصدقاء مقرّبين له ويعطينا الحياة الأبدية.
من بين الأسباب وراء اختيار يسوع المسيح أن يموت من أجلنا هي أن يبرهن أن الله يعاقب الشر. فنحن لا نريد إلهًا يدع الشر من دون عقاب. وموت يسوع المسيح دليل على أن الله لن يفعل ذلك، لأنه اختار أن يعاقب نفسه على أعمالنا الشريرة، ولو أنه لم يرتكب أي خطأ.
وكان الهدف الأسمى لما فعله أن يحررنا من رغباتنا الشريرة وأن يغيّر قلوبنا لكي نعيش صداقةً طاهرةً معه. هذا ما يسمّيه الكتاب المقدّس بـ"الولادة من جديد". ويعني التغيير التام والتحرر من العبودية لرغباتنا الشريرة، والعيش قرب الله.
ويعني ذلك أن البشرى السارة لا تتوقف عند تحمّل يسوع المسيح عقابنا فقط.
يقول الكتاب المقدّس إنه بعد أن مات يسوع المسيح، قام من بين الأموات ولا يزال حيًا. ويقدّم لنا حياةً بديلةً: حياته المثالية بدل حياتنا التالفة.[١٥] وعندما نقبل هذه التقدمة الرائعة، يحيا روحه القدوس بداخلنا ويبدأ يبدّل رغباتنا الشريرة بالرغبة المتنامية في خيره.
إن عملية تطهيرنا وتحويلنا إلى أشخاص مثاليين تُسمّى التقديس. ولا نصبح مثاليين إلا بعد انتهاء هذه الحياة. لكنّ العملية تحقق نتائج عملية على الفور.
وتُدعى هذه النتائج ثمار الروح القدس، وهي: المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف والخير والرقة والإيمان وضبط النفس. وإذا كنا مسيحيين، فسوف تنمو لدينا هذه الصفات. وإذا لم نكن مسيحيين، فقد حان الوقت لنسلّم أنفسنا لله ونقترب منه من خلال قراءة الكتاب المقدّس والابتعاد عن الشر والصلاة وعبادة الله.
لا يمكننا أن ننمّي ثمار الروح القدس لوحدنا. وحده الروح القدس قادر على ذلك حين نعبّر عن حبنا ليسوع المسيح.
يقول الكتاب المقدّس إنه علينا أن نحمل الصليب ونتبع يسوع المسيح. هذه الجملة رمزٌ يمثّل موت أنانيتنا. فكما حمل يسوع المسيح الصليب (وهو أداة تعذيب!)، ومات مصلوبًا، يجب علينا أن نقوم بالمثل بشكلٍ رمزي من خلال موت الأنانية في داخلنا.
لماذا هذا الأمر مهم؟ لأن رغباتنا الأنانية تتحارب مع رغبات الله. فيسوع المسيح يطلب منا أن نسلّم أنفسنا له ونثق به بالكامل. يطلب منا أن نبدّل رغباتنا الأنانية بالرغبة بالله. وهكذا نبرهن له محبتنا من خلال خدمة الله وشعبه بتواضع.
عندما نسلّم أنفسنا ونرضى بالله وحده، يعطينا القوة والرغبة لطاعته. فكأننا ندعه يصبح الهواء الذي نتنفّسه، فيكون الشهيق يسوع المسيح، والزفير يسوع المسيح. وهكذا دواليك. كل يوم. حتى مماتنا. هذا ما يعطينا الشجاعة لنثق بأنه عندما يأمرنا بأن نحبّ أعداءنا، سوف يساعدنا لنفعل ذلك.
إن علاقتنا بيسوع المسيح هي أقرب علاقةٍ يمكن أن نختبرها لأن روحه القدوس موجودٌ بداخلنا. وهذه العلاقة ستغيّر حياتك عندما تثق بالله وتطيعه بمحبة. عندها، عندما تخطئ، سوف يساعدك على إجلال الله.
قد تتساءل ما إذا كانت هذه الحياة ستمنعك من الاستمتاع بحياةٍ طبيعية. ويسرّنا أن نبشّرك بأن محبة الله وطاعته قد سمحت لنا بالتنعّم بسلام الله والفرح في حياتنا.
ورغم أننا لا يمكن أن نتحرر تمامًا من الرغبات الشريرة في هذه الحياة، وأننا ما زلنا نخطئ، يقوم حبّنا ليسوع المسيح بتجويع الرغبات الشريرة لدينا وتفقد بذلك قوّتها. ويفعل الله ذلك لنتحرر ونتنعّم به وبالعالم وبالعلاقات الطاهرة التي قدّمها لنا.
يجد بعضنا صعوبةً في تصديق أن الله يغيّر رغباتنا. ولكنّه يغيّرها بالفعل. هذه الحقيقة.[٣٥] لولا ذلك لما كانت البشرى سارّةً.
لماذا لا يعيش عدد أكبر من المسيحيين حياةً جيدة؟
يمكن لكل مسيحي أن يتحرر من الشر في حياته، ولكن هناك لحظات نرفض فيها ذلك. فنختار أحيانًا الشر بدلًا من يسوع المسيح، حتى بعد أن نصبح مسيحيين.
لا يختبر البعض التحرر من الشر لأنهم لا يؤمنون بأن هذا التحرر ممكن أو بأن الله يمنحنا إياه. ويرفض البعض الآخر التحرر من الشر في حياتهم لأن ثمن هذا التحرر باهظ، إذ يتطلب تسليم النفس إلى الله تمامًا وأبدًا.
ماذا يعني ذلك؟
بعد أن نسلّم أنفسنا إلى الله، يأمرنا الله بأن نستمرّ بتسليم أنفسنا له. ويجب أن نفعل ذلك باستمرار لأننا جميعًا نميل إلى العودة إلى الأنانية. ويسمّي الكتاب المقدّس هذا الميل بالطبيعة الخاطئة. وتكمن هذه الطبيعة الخاطئة فينا منذ الولادة وحتى الموت.
وعندما نبدأ بالإيمان بالله ونثق به ونبتعد عن الشر ونصلّي له ونعبده ونقرأ الكتاب المقدّس ونشارك في المجتمع مع المسيحيين الآخرين، يبدأ الروح القدس في داخلنا بتغيير رغباتنا ويحررنا بشكلٍ تدريجي من الطبيعة الخاطئة.
إن هذا التطوّر يستغرق الوقت. لا تفقد الأمل في هذه العملية. ولا تستخدم البطء في التطوّر كذريعةٍ لعدم التطوّر بتاتًا.
إجلال الله يعطينا فرحًا وسلامًا دائمًا لا يعطيه أي شيءٌ آخر في هذا العالم. فنحن لا نبتعد عن الشر لمجرّد أن الشر سيّئ، بل نبتعد عن الشرّ لنكتفي بالله.
فالله يطلب منا أن ننضمّ إليه ونسبّحه. وبعد أن نسلّم أنفسنا إليه، يبعث فينا الإلهام لنشارك هذه الصداقة الجميلة مع الآخرين، وهو ما يُدعى التبشير بالإنجيل، ولنعلّم الآخرين كيف يمكنهم اختبار هذه الصداقة أيضًا، وهو ما يُدعى التلمذة.
إنّ ما يقدّمه الله لنا جميلٌ لدرجة أننا عندما نختبره لا يمكننا أن نمتنع عن إخبار الآخرين عن الله. فعندما نرى خير الربّ ونذوق طعمه، تولد بداخلنا رغبة طبيعية بأن نبشّر الأخرين به لكي يشعروا بالحرية والفرح اللذين نتنعّم بهما.
نعيد ونكرر البشرى السارّة (وهي أفضل بشرى!): وعدنا الله بأن يحبّنا ويسامحنا ويعطينا الحياة الأبدية ويحرّرنا من الشرّ، وأن يكون صديقًا قريبًا لنا طالما أننا نثق به ونطيعه بمحبّة. لذا إن كنا أوفياء له حتى نهاية حياتنا، يعدنا الله بأن يعطينا جسدًا جديدًا خالٍ تمامًا من لعنة الرغبات الشريرة والموت والانكسار، وبأن نعيش معه إلى الأبد.
إلا أن الخبر السيئ هو أن كلّ من يرفض عرض الله سوف يعاني من العقاب اللامتناهي والانفصال عن الله اللذين تسببنا بهما نتيجة الشرّ الذي بداخلنا.
وإنّ البشرى السارّة حول الله والخبر السيئ حول ما يحصل عندما نرفضه يجعلان من الإنجيل الحقيقة الأهم في حياتنا.
وُجدنا لنسبّح الله وننعم به إلى الأبد. غالبًا ما نعتقد أنه علينا الاختيار بين حياة نرضي فيها أنفسنا وحياةٍ ترضي الله. لكنّ الحقيقة أن الاستسلام للرغبات الشريرة لا يرضينا لفترةٍ طويلة. فأعمال الشرّ تؤدي إلى الاكتئاب وعدم معرفة قيمة الذات والإدمان على السلوكيات المدمّرة والشريرة. فيصبح الشرّ يحكمنا ويستنزف فرحنا ويتركنا في الفراغ والوحدة. ويجعلنا عَبَدة.
عندما نختار أن نرى أنفسنا على أننا خادمو خير الله بإرادتنا بدلًا من عبدة الشر، يصبح وجود الله في حياتنا والهدايا العظيمة التي وعدنا بها في الإنجيل مصدر فرحٍ وحريةٍ في حياتنا لا يمكن لأي أحد أ يسلبهما منا.
كلّ المطلوب هو كلّ شيء. كامل عصياننا مقابل كامل غفرانه والحياة واللطف والمحبة.
إنّ الطريقة الأسهل لتذكّر هذه الأفكار هي من خلال قصيدة الخلاص:
على الصليب متّ يسوع
قمت خلصتنا من الموت
سامحني من خطيئتي
كن ربّي صديقي مخلّصي
غيّر حياتي جددها
ساعدني كي احيا لك
للتعمّق بشكلٍ أكبر
اقرأ الفصل ١٧ من إنجيل يوحنا، فهو نصّ صلاةٍ قالها يسوع المسيح من أجلك ومن أجلي قبل مماته. حاول أن تدوّن أي تفاصيل تجدها مهمة حول ما قاله يسوع المسيح، ثم اقرأها وناقش أي أسئلة لديك مع شخص مسيحي آخر. ما رأيك بصلاة يسوع المسيح من أجلك على المستوى الشخصي؟